محمد بن جرير الطبري

59

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لم يقع بتذكير ، ولو وقع بتذكير لم يقع بتأنيث ؛ لأَن من سمي بأفعل لم يصرف إلى فعلى ، ومن سمي بفعلى لم يصرف إلى أفعل ، لأَن كل اسم يبقى بهيئته لا يصرف إلى غيره ، ولكنهما لغتان ، فإذا وقع بالتذكير كان بأمر أشأم ، وإذا وقع البأساء والضراء ، وقع الخلة البأساء والخلة الضراء ، وإن كان لم يبن على الضراء الأَضر ولا على الأَشأم الشأماء ، لأَنه لم يرد من تأنيثه التذكير ولا من تذكيره التأنيث ، كما قالوا : امرأة حسناء ، ولم يقولوا : رجل أحسن ، وقالوا : رجل أمرد ، ولم يقولوا : امرأة مرداء فإذا قيل الخصلة الضراء والأَمر الأَشأم دل على المصدر ، ولم يحتج إلى أن يكون اسما ، وإن كان قد كفى من المصدر . وهذا قول مخالف تأويل من ذكرنا تأويله من أهل العلم في تأويل البأساء والضراء وإن كان صحيحا على مذهب العربية وذلك أن أهل التأويل تأولوا البأساء بمعنى البؤس ، والضراء بمعنى الضر في الجسد ، وذلك من تأويلهم مبني على أنهم وجهوا البأساء والضراء إلى أسماء الأَفعال دون صفات الأَسماء ونعوتها . فالذي هو أولى بالبأساء والضراء على قول أهل التأويل أن تكون البأساء والضراء أسماء أفعال ، فتكون البأساء اسما للبؤس ، والضراء اسما للضر . وأما الصابرين فنصب ، وهو من نعت " من " على وجه المدح ، لأَن من شأن العرب إذا تطاولت صفة الواحد الاعتراض بالمدح والذم بالنصب أحيانا وبالرفع أحيانا ، كما قال الشاعر : إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم وذا الرأي حين تغم الأَمور * بذات الصليل وذات اللحم فنصب ليث الكتيبة وذا الرأي على المدح ، والاسم قبلهما مخفوض لأَنه من صفة واحد ومنه قول الآخر : فليت التي فيها النجوم تواضعت * على كل غث منهم وسمين غيوث الورى في كل محل وأزمة * أسود الشرى يحمين كل عرين وقد زعم بعضهم أن قوله : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ نصب عطفا على السائلين ، كأن معنى الكلام كان عنده : وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين والصابرين في البأساء والضراء وظاهر كتاب الله يدل على خطأ هذا القول ، وذلك أن الصابرين في البأساء والضراء هم أهل الزمانة في الأَبدان وأهل الإِقتار في الأَموال ، وقد مضى وصف القوم بإيتاء من كان ذلك صفته المال في قوله : وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وأهل الفاقة والفقر هم أهل البأساء والضراء ، لأَن من لم يكن من أهل الضراء ذا بأساء لم يكن ممن له قبول الصدقة وإنما له قبولها إذا كان جامعا إلى ضرائه بأساء ، وإذا جمع إليها بأساء كان من أهل المسكنة الذين قد دخلوا في جملة المساكين الذين قد مضى ذكرهم قبل قوله : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ . وإذا كان كذلك ثم نصب الصابرين في البأساء بقوله : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ كان الكلام تكريرا بغير فائدة معنى ، كأنه قيل : وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ، والله يتعالى عن أن يكون ذلك في خطابه عباده ؛ ولكن معنى ذلك : ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ، والصابرين في البأساء والضراء . والموفون رفع لأَنه من صفة " من " ، و " من " رفع فهو معرب بإعرابه والصابرين نصب وإن كان من صفته على وجه المدح الذي وصفنا قبل . القول في تأويل قوله تعالى : وَحِينَ الْبَأْسِ يعني تعالى ذكره بقوله : وَحِينَ الْبَأْسِ والصابرين في وقت البأس ، وذلك وقت شدة القتال في الحرب . كما : حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله في قول الله : وَحِينَ الْبَأْسِ قال : حين القتال . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله ، مثله . حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَحِينَ الْبَأْسِ القتال . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : وَحِينَ الْبَأْسِ أي عند مواطن القتال . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : وَحِينَ الْبَأْسِ القتال . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : وَحِينَ الْبَأْسِ عند لقاء العدو . حدثني المثنى